ما أقسى فقد الأحباب
جبلت المخلوقات على حب الحياة، هكذا أراد الله لها لتحياها وتحرص عليه، هل رأيت حيوانا يذبح لو راقبته لوجدت مقاومة عنيفة يبذلها ذلك الحيوان لينجو،وهويحزن أشد الحزن ويتألم أكبر الألم إن أشعرته بما تريد كأن تظهر له السكين لذا ينهاك رسول الرحمة عن ذلك وأمرك أن تحد شفرتك وتريح ذبيحتك فلا تطيل عليها مدة الألم بشقيه المعنوى والمادى، اذا كان هذا حال الحيوان فما بالنا بالانسان ؟
فللإنسان مع الحياة شأن آخر فهو حريص عليها كل الحرص، بل الإنسان منذ الأزل
يفر من الموت ويبحث عن وسيلة تنجيه منه فتراه يبحث عن من يداويه ويذهب عنه
ألمه ويبعد عنه شبح الموت، من أجل ذلك كان فن المداواة الذى تطور لما
نحن فيه من تطور مذهل فى الطب والعلاج، كل هذا يفعله لعله ينجو من
الموت أو حتى يطيل فترة بقائه فى هذه الحياة بل ان ارتفاع
متوسط الأعمار تراه الدول مفخرة لها، ولما لا والموت مجهول بالنسبة له
وهوبطبيعته عدو ما يجهل وهو يراه يفرق الأحباب ويقطع الأمل ويذهب به
الى طريق الغربة والوحشة واللاعودة، فلم يحدث أن عاد أحد من الموتى
ليخبر إخوانه من بنى الانسان عن الموت ومالاقاه فيه، لذا فهو عدوه اللدود
حتى وان تظاهر بغير ذلك، سماه القرآن مصيبة يقول تعالى
(فأصابتكم مصيبة الموت).
أمام الموت تتجلى ربوبية الرب العظيم وعبودية العبد الضعيف الذى هو عبد شاء
أم أبى، واذا كان الأمر هكذا والموت يتربص بنا ولم ولن ينجو منه أحد
فما السبيل؟ السبيل أن نتصالح عليه ونعرف طبيعته فهو ليس عدما ولكنه انتقال
من حياة نعرفها الى حياة لا نعرفها، ومصدر علمنا بهذه الحياة هو ما
جاء على لسان الرسل وما يتكرم به الله على عباده فيرون الموتى فى منامهم
يطمأنونهم ويعلمونهم على بعض ما لاقوه فى حياتهم الأخرى وبعض صور كرم
الله عليهم وعفوه عنهم حتى ولوبشىء بسيط قدموه أو بحسن ظن
بالله تعالى.
روى عن يحيى بن أكثم القاضى وقد رئى فى المنام بعد موته فقيل له ما
فعل الله بك؟ فقال أوقفنى بين يديه ثم قال يا شيخ السوء فعلت
كذا وفعلت كذا فقلت يا رب ما بهذا حدثت عنك قال فبم حدثت عنى
يا يحيى؟فقلت حدثنى الزهرى عن معمر عن عروة عن عائشة عن النبى صلى
الله عليه وسلم عن جبريل عنك سبحانك أنك قلت إنى لأستحى أن أعذب
ذا شيبة شابت فى الاسلام فقال يا يحيى صدقت وصدق الزهرى
وصدق معمر وصدق عروة وصدقت عائشة وصدق محمد وصدق جبريل وقد غفرت لك .
وعن منصور بن عمار أنه رئى فى المنام فقيل له ما فعل الله بك ؟فقال أوقفنى
بين يديه وقال لى بماذا جئتنى يا منصور ؟فقلت جئتك بست وثلاثين حجة فقال
ما قبلت منه شيئا ولا واحدة ثم قال بماذا جئتنى يا منصور ؟فقلت جئتك
بثلثمائة وستين ختمة للقرآن قال ما قبلت منها واحدة .ثم قال بماذا جئتنى
يامنصور؟ قلت جئتك بك قال سبحانه الأن جئتنى، إذهب فقد غفرت لك.
وبالموت تتحرر الروح من الجسد ذلك الذى كان يحدد حركتها
وانطلاقها ورؤيتها لتنطلق فى أفاق الكون عارفة ما لم تعرف ومبصرة ما
لم تبصر منتظرة أن تعود الى جسدها مرة أخرى.
كنت فى ساعة غروب أنا وأحد أقربائى فى وادى الأحباب نزور أحباءنا الموتى
وسألنى قريبى هذا ما الذى يجعلنا نشعر بالراحة ها هنا فأجبته لأن هنا
بعضنا فعندما يفقد الإنسان حبيبه يفقد بعضه فبكى وقال اذا أنا
كلى هن، ما أقسى فقد الأحباب ولكن عزاؤنا أننا سنلتقى هناك حيث يطيب
اللقاء، عندما يموت الموت، يؤتى بالموت يوم القيامة وينادى الله عز وجل
أهل الجنة هل تعرفون من هذا ؟فيجيبون نعم نعرفه، وينادى على أهل النار هل
تعرفون من هذا؟فيجيبون نعم، ولم لا وكلهم قد ذاقه،فيؤمر به فيذبح عن قنطرة
بين الجنة والنار، قلوبنا مع السيد الرئيس و أسرته ومع كل من فقد أحدا من
أحبابه.
د/محمـــد الألفـى
يمكنك كتابة تعليقك بالأسفل

