هل تعرف أحدا يعبد المال؟

أن تتحرر من داخلك هذا هو الجزء الأكبر والأهم من أجزاء الحرية، ذلك التحرر من قبضة ذاتك عليك، أن تتحرر من دوافعك ورغباتك فلا تكن عبدا لما تحب وترغب، نعم جبلت النفوس على حب الأشياء والتعلق بها وهذا شىء طبيعى ومطلوب لأن به تسير الحياة، أما الخطر فيكمن فى أن يتحول هذا الحب إلى عبودية فتبدأ المعاناة والشفاء والألم وكم من البشر يشقون بما يحبون...

عزيزى هل صادفت أحد يعبد المال؟ أو الشهرة أو السلطة؟ أو المرأة أو الأولاد أوغير ذلك؟ لابد أنك صادفك أمثال هؤلاء، ولنبدأ بعبادة المال  هؤلاء الذين ربما يتألمون جوعا ولا يستطيعون أن تمتد أيديهم إلى مالهم  ليحضروا طعاما يسدون به رمقهم وبما أنهم لايقدرون إطعام ذواتهم فبالتبعية أولادهم ومن حولهم فهم حراس على هذا المال حتى يوصلوه لورثتهم الذين ربما يتمنون زوالهم ليعوضوا ما فاتهم من الحرمان، عندما كنا صغار كنت أعرف رجلا مسنا ثريا يمتلك من العقارات والمال الكثير  الذى كان يمكنه أن يسعد به ليس هو فقط ولكن كان بامكانه أن يسعد  من حوله ولكن للأسف كان خادما فقط لهذا المال، كنا عندما يقابلنا يطلب منا الطعام ويقول أى ساندوتش أى حاجة...وكنت عندما أستجيب له أقابل بهجوم عنيف، أتتعاطف مع هذا الذى يملك كذا وكذا ويستطيع إحضار كل شىء؟ وكان دائما ردي أن هذا الرجل جائع ولا يملك شيئا لأنه ليس المهم أن تمتلك بالمعنى المعروف للتملك ولكن المهم أن تملك القدرة والحرية فى أن تتصرف فيما تملك فإن حالت نفسك ودوافعك بينك وبين ما تملك فأنت والمعدوم سواء بل المعدوم أفضل، ولقد حرص هذا الرجل  على أن يظل على ما هو عليه حتى مات وورث  ماله ولده وحرم إخوته الإناث من الميراث، وبدد المال سريعا وكان ما تركه هذا الرجل  سببا فى القطيعة والوقيعة بين أبنائه.

عندما كنا نوابا بإحدى المستشفيات كان لنا زميل يسكن فى الحجرة المجاورة وكان هذا الزميل يتمتع بخلق حسن إلا أنه فيه هذا الداء، ومع أنه كان ميسور الحال إلا أنه كان علاقته بالمال علاقة مرضية...أذكر أننا كنا عندما نجهز طعام العشاء نذهب لنحضره لأننا نعلم جيدا أنه ينام جائعا  لكى يوفر ولا يرسل عامل السكن ليحضر له طعاما وكنا ونحن نوقظه من النوم كان يقول أنا الحمد لله شبعان فنصر على أن يستيقظ ويأتى معنا وكنا نلاحظه وهو يأكل بنهم شديد لأنه جائع والجوع كافر، لذاكنا نضحك معه كيف كنت ستنام على هذا الحال، وكم من المشاكل  سببها له حرصه هذا الشديد، أذكر أنه عندما أراد أن يخطب رشحت له احدى الفتيات التى كان أهلها من غير سكان القاهرة وجاء والدها ووالدتها ليتعرفون عليه بالمستشفى وأذكر أننى قلت له بالحرف الواحد: اعزم الناس على الغذاء على حسابى لأن ده وقت غذاء ولا يصح أن يحضروا من هذه المسافة ويعودوا كما جاءوا، بالطبع كنت أريد أن أضعه فى حرج بقولى هذا لكيلا يستسلم لهواه ورغبته، وما إن عاد حتى قابلناه وسألناه هل عزمتهم؟

فأجاب لا والله أصل والدها عنده السكر فقاطعناه ووالدتها عندها الضغط...ولم يعودوا له مرة أخرى واتفشكل الموضوع ربما لأنهم بذكائهم أدركوا  هذا.

ومن الطريف أن والد أحد زملائنا حضر من المنصورة ليزور ابنه الذى كان يسكن معى فى حجرتى وكان هذا الوالد شيخا من شيوخ الأزهر  يتمتع بالفكاهة وخفة الظل والصراحة وكان يعرفنا جميعا ويعرف زميلنا هذا وعندما حضر إلى حجرتنا لم يجد أحد منا فقد كنا خرجنا لنقضى شيئا فذهب إلى حجرة زميلنا هذا وسأله أين فلان يقصد ابنه، فأجابه أنه غير موجود، وسأل عنى وعن زميلنا الثالث فأجابه أننا جميعا غير موجودين، فقال له لتسمح لى أن انتظرهم عندك فقال له تفضل أهلا بك ورحب به، وعندما قدمنا وجدنا هذا الوالد يضحك بشدة ويحكى لنا أمام زميلنا هذا ماحدث منه، يقول جلست معه لفترة طويلة لم يقدم لى شيئا فقلت يا فلان إننى قادم من المنصورة ولقد أخذت علاج السكر وإننى جائع وأحتاج لبعض الطعام لكيلا أصاب بهبوط فى نسبة السكر، يقول فقام ببطء شديد وأخذ ينادى على أم عبده عاملة السكن وأعطاها جنيها وقال لها هات حاجة ساقعة يقصد الزجاجة اللتر وبالفعل ذهبت السيدة وأحضرت الزجاجة فملأ كوبا منها وأعطاه لى فشربته، وانتظرت طويلا وقلت له مرة أخرى إنى جائع فملأ كوبا آخر وناوله لى فشربته وانتظرت مدة أطول وعاودت  قولى له إنى جائع فهم ليملأ لى الكوب، فقلت له يا ابنى أنا بطنى انتفخت أنا عاوز آكل مش عاوز نفخ من ده، ودخلنا وزميلنا هذا ينظر إليه مبتسما ويقول تلقاهم جايين على طول مش عارف اتأخروا ليه...
بالطبع هو لو قرأ كلامى هذا سيضحك لأنه عارف نفسه وداؤه، وهو فى حالة تصالح مع ذاته يبدو أنه مرتاح على كده، نكمل إن شاء الله...

د/محمـــد الألفـى



يمكنك كتابة تعليقك بالأسفل

الاسم:
التعليق: