تأملات فى خطبة الوداع

في الخامس والعشرين من شهر ذى القعدة فى السنة العاشرة للهجرة أعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عزمه لزيارة بيت الله الحرام حاجاً، فخرج معه حوالى مائة ألف من الرجال والنساء وقد استعمل على المدينة أبا دجانة الساعدى الأنصارى وأحرم للحج ثم لبى قائلا: لبيك اللهم لبيك، لبيك لاشريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبيك.
وبقى ملبيًّا حتى دخل مكة المكرمة وطاف بالبيت سبعة أشواط واستلم الحجر الأسود وصلى ركعتين فى مقام إبراهيم عليه السلام وشرب من ماء زمزم ثم سعى بين الصفا والمروة، وفى اليوم الثامن من ذى الحجة توجه إلى منى فبات فيها، وفى اليوم التاسع توجه إلى عرفة فصلى فيها الظهر والعصر جمع تقديم فى وقت الظهر ثم خطب خطبته الشريفة التى سميت فيما بعد بخطبة الوداع، وكان مما قال عزيزى القارىء انتبه إلى كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم
:
(أيُّها الناس اسمعوا قولى فإنى لا أدرى لعلي لا ألقاكم بعد عامى هذا بهذا الموقف أبدا....أيها الناس إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا وكحرمة شهركم هذا، وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم....وقد بلغت فمن كان عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها ....)
ياله من موقف مهيب يخرج فيه الناس وكأنهم خرجوا ليوم الحشر متساويين، ثيابهم الى الأكفان أقرب، يلبون نداء ربهم فى هذا اليوم العظيم، أعظم الأيام على الاطلاق، وفى هذا المكان العظيم أعظم الأماكن على الاطلاق تنهمر دموعهم ويعلو نحيبهم، لعل ربهم يغفر لهم، مشهد عظيم اجتمعت فيه عظمة المكان وعظمة الزمان وعظمة الخوف والرجاء..
لذا هو يوم حرام تحلق فيه الأرواح فى عنان السماء وتسمو فيه النفوس، لذا أراد صلى الله عليه وسلم أن يوصل للناس حرمة الدماء والأموال ليحسوها عن قرب و يدركوا عظمتها فقال لهم وقد رآهم يشعرون بحرمة وجلال الموقف إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا فى شهركم هذا، صلى الله عليك وسلم يا رسول الله وكأنك أعلمك ربك بما سيصير إليه حالنا.
عزيزى هل سمعت عن استهانة بالدماء والأرواح مثل ما هو حادث الآن؟ انظر إلى الشارع ترى الكل يتربص بالكل الناس لا يطيق بعضهم بعضا، ما إن تلامسه ولا أقول تستفزه حتى يخرج لك أسوء ما عنده، حتى عندما يتشاجرون تراهم يحرص الواحد على القضاء على أخيه، قريبا سمعت عن مشاجرة بين بعض من تربطهم ببعضهم صلات نسب وعندما حاول الناس منعهم كان هؤلاء يرددون أنهم سيستمرون فى القتال حتى الموت، هل سمعت عن حادثة القتل بالرصاص فى خلاف بسيط...من يمر من الشارع أولا!!
نرى الفصائل المتنازعة فى شتى الأقطار الكل يحرص على إبادة الكل والقضاء عليه، وكأن هذا الانسان لا قيمة له ولا وزن ولاحرمة، وكأنه ليس كيانا بناه الله ملعون من هدمه...
انظر إلى الطرق والسيارات ستراها تسابق بعضها بعضا بلا مراعاة لحرمة دماء الناس وتحدث الحوادث والكوارث وتسيل الدماء أنهارا، فهذا سائق يضيق الطريق على الآخر ليرمى به فى الماء هو ومن معه أو حتى يقلبه على جانب الطريق ويمضى وكأنه ما فعل شيئا وهو قاتل مجرم سيقف بين يدى الجبار المنتقم ليحاسبه، من يعتدى على الطرقات ليتسبب فى الحوادث قاتل معتد على الدماء، من يجلب المخدرات ويروجها بين الناس ويبيعها ويدل عليها معتد على الأرواح والدماء، من يجلب الأدوية الفاسدة والمغشوشة والمبيدات المسرطنة التى تبيد الناس وتقتلهم وترمل النساء وتيتم الأطفال آثم معتد لم يراع حرمة الدماء ومكانتها عند الله.
أقول ذلك وأنا أتحسر أن من بين هؤلاء من يذهب بهذه الأموال القذرة الملوثة بدماء الناس ليقف بهذا المشهد الرهيب على عرفات الله ظانا أنه يغسل يداه من دماء كثيرة تعلقت بها
(ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار).
عزيزى هل تسلف الناس؟ بمعنى إذا جاءك معسر وطلب منك بعض المال حتى يتيسر له الحال فيردها لك..هل تعطيه؟ أظن أن كثيرين لايقبلون أن يسلفوا بعضهم بعضا هل تعلم لماذا؟ أظن أن الاجابة أن كثيرين أيضا لا يردون ما استلفوه..وضاعت الثقة والأمانة وذلك بسبب عدم مراعاة حرمة الأموال التى نص عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فى خطبة الوداع، فترى الناس تسارع فى جمع المال بأى صورة وبأى طريق دون مراعاة لحله أو حرمته لذا تراه يقتل من أجل المال، يجلب المخدرات من أجل المال، يجلب أطعمة الحيوانات ليأكلها إخوانه من أجل المال، تراه يبدو جيدا وعند التعامل المادى يتحول
إلى شخص آخر يجمع الأموال من حلال ومن حرام ويكدسها ولا يخرج حق الناس فيها ويظل يحرسها حتى إذا وافاه أجله تركها ليتقاتل ورثته عليها ويلعنوه، وأظنك عزيزى ربما سمعت من يقول عن مورثه أو أبيه الله يلعنه حيث يكون هو السبب فى الذى نحن فيه أو هو الذى ظلمنى، هذا ليس إلا لعدم تحرى الحلال فى التعامل مع المال والجشع فيه، وفى النهاية سيقف الجميع بين يدى الله ليحاسبهم.
يقول صلى الله عليه وسلم فى خطبة الوداع "وإنكم ستلقون ربكم ليسألكم عن أعمالكم وقد بلغت فمن كان عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها"

د/محمـــد الألفـى



يمكنك كتابة تعليقك بالأسفل

الاسم:
التعليق: