(وكذلك ننجى المؤمنين)

هل مر عليك وقت قلت فيه أين أذهب ؟ لمن ألجأ؟ لقد أغلقت كل الأبواب فى وجهي، لقد خانتنى الأسباب، وتقطعت بى السبل، نسمع بعضنا يقول متألما لقد أظلمت الدنيا فى وجهي وصدق هؤلاء فعندما تضيق تظلم ويفقد الإنسان الضعيف بطبيعته كما قال عنه خالقه (وخلق الإنسان ضعيفاً)النساء:2٨، يفقد الرؤية فى هذا الظلام الدامس وإن كانت عيناه مفتوحتان...أخى إياك أن تنسى أن لك ربا تبارك سمعه وبصره يراك ويسمعك ويحبك ويريد عودتك ويحب أن يسمع صوتك ونداءك ليغيثك...

لما بعث الله نبيه يونس عليه السلام (عند أهل الكتاب اسمه النبى يونان بن أمتاى وله كتاب ضمن الكتب القانونية التى قبلتها الكنيسة) إلى أهل نينوى (من أرض الموصل) دعاهم الى الله عز وجل فكذبوه وعاندوه  وتمردوا وأصروا على كفرهم وضلالهم وطغيانهم، وكلما حاول كانت إجابتهم العناد والإصرار على الكفر والضلال، لذا حزن منهم حزنا شديدا وتركهم ومضى إلى حال سبيله بعد أن وعدهم بأنه سينزل بهم العذاب بعد ثلاث، والظاهر والله أعلم أنه خرج من بينهم قبل أن يأتيه الإذن من الله بالخروج، وكانت هذه هى المخالفة التى وقع فيها، وعندما خرج من بينهم توجه ناحية البحر وقصد قوما ركب معهم سفينتهم لتشق بهم عباب البحر ولكنها سرعان ما اضطربت وماجت وثقلت بما فيها وكادت تغرق، فتشاورركاب السفينة فيما بينهم وكانت نتيجة هذا التشاور أن يقترعوا فمن وقعت عليه القرعة ألقوه من السفينة ليتخففوا منه، فلما اقترعوا وقعت القرعة على نبى الله يونس فلم يسمحوا به وأعادوها ثانية فوقعت عليه أيضا وعندئذ شمر نبى الله يونس ليخلع ثيابه ويلقى بنفسه فى البحر فرفض القوم ذلك ثم أعادوا القرعة ثالثة فوقعت عليه أيضا وما كان من سبيل إلا أن يلقوه...

وألقى به فى البحر وبعث الله حوتاً عظيما فالتقمه وأمر الله تعالى الحوت ألا يأكل له لحما ولا يهشم له عظما فليس له برزق، وعندما ابتلعه طاف به البحار، ويقال أن الحوت ابتلعه حوت أكبر منه، ولما استقر فى بطن الحوت حسب أنه قد مات فحرك جوارحه فتحركت، روى ابن جرير فى تفسيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

 (لما أراد الله حبس يونس فى بطن الحوت أوحى الله الى الحوت :خذه ولا تخدش له لحما ولا تكسر له عظما، فلما انتهى به الى أسفل البحر سمع حسا فقال فى نفسه ما هذا؟ فأوحى الله اليه وهو فى بطن الحوت أن هذا تسبيح دواب البحر، قال: فسبح وهو فى بطن الحوت، فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا: يا ربنا إنا سمعنا صوتا ضعيفا بأرض غريبة قال عز وجل: ذلك عبدى يونس عصانى فحبسته فى بطن الحوت فى البحر قالوا: العبد الصالح الذى كان يصعد إليك منه فى كل يوم وليلة عمل صالح؟ قال نعم فشفعوا له عند ذلك فأمر الحوت فقذفه فى الساحل).

  يقول تعالى (وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) الأنبياء:87 عندما وقعت القرعة عليه فى المرات الثلاث أظلمت الدنيا فى وجهه وعندما ألقى به فى البحر ازداد ظلامها وعندما ابتلعه الحوت ليأخذه من ظلمة الليل وظلمة البحر ليقذف به فى ظلمات بطنه ويغوص به نحو الأعمق، نحو قاع البحر، نحو مزيد من الظلمات، من يراه فى هذا الحال؟ من يسمع صوته الضعيف وسط أصوات البحر بمخلوقاته وأمواجه الهادرة؟ من يوصل هذا الصوت الإنسانى الضعيف الصادر من مكان غريب لا يسمع فيه صوت لإنسان  للملا ئكة لتسأل ربها يا رب إننا  نسمع صوتا ضعيفا  قادما من أرض غريبة ؟

إنه ربه الذى أحاط بكل شىء علما يقول ربه عنه (فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) كل ذرات النبى تنادى ربها وتعترف بوحدانيته وتقر بظلمها ليعفو عنه الرحيم  الرب الكريم، ويخرجه من محبسه، يقول تعالى (فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين)الأنبياء:88 فيقذف به الحوت  على الساحل كأنه مولود ضعيف فى أرض ليس فيها شىء (فنبذناه في العراء وهو سقيم)الصافات:145 ورحمة به ورأفة  أنبت الله عز وجل شجرة وافرة ناعمة أوراقها  قريبة ثمارها  كثير ظلها  لتكون مصدر دفء وطعام وحنان (وأنبتنا عليه شجرة من يقطين) الصافات:146

عزيزى كن دائم الصلة بربك فى أوقات سعادتك ورخائك، اعمل عملاً يرضى به عنك كما كان يفعل نبى الله يونس الذى كان يصعد منه العمل الصالح فى كل يوم وليلة فشفع له ذلك عند شدته، حتى إذا ما تعرضت لشدة أو أظلمت الدنيا فى وجهك تنادى ربك فيجيبك….لا لا: حتى وإن لم  تعمل من الصالحات إياك أن تفقد الأمل  فى وجهه ما دامت فيك حياة واعلم علم اليقين أن رحمته وسعت كل شىء ولطفه ناله كل شىء فهو القادر على أن ينجيك كما نجى يونس من الغم، فعد إليه وابك على خطئك بين يديه، فهو الذى أمرك أولا وآخرا إليه، تأمل قول الحق سبحانه محدثا عن نبيه  يونس (فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين)الأنبياء:88 أكرر الجزء الأخير (وكذلك ننجي المؤمنين).

د/محمـــد الألفـى



يمكنك كتابة تعليقك بالأسفل

الاسم:
التعليق: