أرجوكم لا تزوروهم

يدق جرس التليفون على الجانب الآخر: أنا فلان قريب المريض فلان وأريد أن أعرف طبيعة مرضه وتطوراته إلى آخر هذه الأشياء...أصمت قليلا وأجيب قائلا: هو بخير إن شاء الله، يقاطعنى: هو قريبى جدا ويهمنى أمره أرجوك لا تخفى عنى شيئا، أرد من أجل قرابتك له وأهميته عندك أطمئنك عليه، يقاطعنى مرة أخرى: إنك تخفى عنى الحقيقة إن حالته ميئوس منها وإنها مجرد أيام أليس كذلك؟ أقول أستغفر الله العظيم، يا سيدى قلت لك إنه بخير وتحتد نبرة صوتى فيتأسف وينهي المكالمة...

أقول فى نفسى عجيب أمر هذا المتصل ألايعلم أن أسرار كل مريض هى ملك له أو لولى أمره فى حالة عدم إدراكه؟ وهل تصور هذا المتصل أن بإمكانه الحصول على معلومات عن أى شخص بمجرد ادعائه أنه قريب له؟

هذه إحدى صور تعاملنا مع المريض وهناك صور أخرى، منها عندما يعلم الناس بمرض قريب لهم نجدهم يسارعون إلى زيارته وهذا شىء طيب وحثنا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما ذكر أن الله جل فى علاه يعاتب عبده يوم القيامة قائلا: (عبدى مرضت فلم تعدنى فيرد عبده ويقول وكيف أعودك يا رب وأنت رب العالمين؟ فيقول له أما علمت أن عبدى فلان مرض، أما علمت أنك لو عدته لوجدتنى عنده أو لوجدت ذلك عندى ؟)

وكالعادة كل شىء جميل وطيب وعندما تمتد إليه يد الناس تفسده، هذه الزيارة الجميلة الممدوحة المقصود منها الدعاء للمريض وتمنى الشفاء العاجل له ومحاولة مساعدة أهله والقائمين على أمره فى أى شىء يطلبونه، وليس ما يحدث من إطالة المكث عنده وسؤاله عن تفاصيل مرضه وإبداء الآراء فى العلاج وفى الطبيب المعالج ومحاولة عرض أدوية بديلة وأطباء أفضل من وجهة نظر الزائر، وربما يكون هذا الزائر لاصلة له بالطب لا من قريب ولا من بعيد وكل ما فعله أنه أفسد على هذا المريض استقراره والإطمئنان الى طبيبه، وكدر على أقربائه صفوهم وأنب ضمائرهم بقوله مثلا هل تتركوه هكذا؟ لماذا تقصرون؟ لماذا لا تذهبون إلى فلان أو فلان أولماذا لا تذهبون إلى المستشفى الفلانى أو معمل التحاليل الفلانى ألا يوجد معكم مال؟ سأتصل وسأحجز لكم وبالطبع كلها كلمات جوفاء  ليس فيها أى حقيقة ولكنها كما يقولون فى هذه الأيام (طق حنك) فقط.

وللأسف تكون النتيجة لهذه الزيارة المشئومة تدهور حالة المريض واستعجاله وتنقله من أيدى معالجيه إلى آخرين ومن الآخرين إلى آخرين لأن هذا الزائر وأمثاله لن يتركوه حتى يواروه التراب .

إن أمثال هؤلاء ليسوا بزوار للمريض ويحرم على أمثال هؤلاء زيارتهم للمرضى وأنا أرجوهم وأتوسل إليهم أن يرحموا المرضى المساكين، ويكفوا عن زيارتهم ومن أمثلة هذه الزيارات البغيضة ما نراه فى المستشفيات  فكثيرا ما يتصادف تواجدنا فى لقاء طبى يضم الكثير من الأطباء لمناظرة الحالات التى تحتاج إلى المناظرة والمراجعة فى وقت الزيارة ليقطع حديثنا طرقات متكررة على الأبواب كل أصحابها يريدون الإستفسار عن ذويهم بالتفصيل دون مراعاة إذا كان هذا فى مصلحة المريض أو عدمه، المهم أنه يريد أن يثبت حالة ويا حبذا لو اتهم المعالجين بالتقصير أو حتى هيئة التمريض أو المستشفى ذاتها، وقد كنا قريبا نناقش حالة من الحالات التى أثرت فينا لسوء حالتها الصحية وكذلك أيضا المادية وفى الوقت الذى  كنا نفكر فيه فى خطة علاجها وفحوصاتها والأهم من ذلك كنا نفكر كيف نوفر لها التكاليف المطلوبة دخل أحد زوارها وأخذ يتحدث بطريقة  عنترية وعندما حزن بعض زملائنا من صغار السن وقالوا نطلب منه  ينصرف أخبرتهم على الفور أن هذا ما جاء إلا ليسجل نقطة ويوقع فى دفتر الزوار ولا يهمه صحة المريضة لا من قريب ولامن بعيد ولو كانت  بحق تهمه ما فعل  ما فعل  فلا تأخذوا  المريضة بذنب هذا...

ولعل من صور الإساءة إلى المريض اصطحابه للطبيب والإصرار على الدخول معه بأعداد كبيرة، يكفى المريض أن يدخل معه شخص قريب منه ويعرف حالته أما ما يحدث فهو أقرب إلى التهريج منه إلى العلاج فكما قلت وأقول العلاقة بين الطبيب ومريضه علاقة خاصة وقد يحتاج  المريض لأن يقول لطبيبه ما لا يقبل أن يسمعه أحد فلماذا الإصرار على كبت حريته ومن الطريف أن الطبيب يسأل المريض مثلا هل عندك كحة فيجيبك أحد المرافقين بسرعة قبل أن يجيب المريض أنا والله يا دكتور عندى كحة  تبقى من إيه؟

ولعل من أعجب ما صادفت فى عملى كطبيب أنه ذات مرة دخل على شخصان وجلسا أمامى وقام أحدهم بتقديم شكواه وأخذت أنا منه تاريخ  هذه الشكوى وقمت بفحصه وكتابة بعض الدواء له وكل التعليمات والفحوصات وقلت له نراك فى الأسبوع القادم إن شاء الله وهممت لأسلم عليه قبل انصرافه إلا أننى فوجئت به يخبرنى أن الذى جاء ليكشف هو فلان الذى معه...وعجبى!!

 

د/محمـــد الألفـى



يمكنك كتابة تعليقك بالأسفل

الاسم:
التعليق: