أ للجاهلية نعود؟....
روى أن رجلا من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم كان لا يزال مغتما بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وسلم): مالك محزوناً؟ فقال يا رسول الله أذنبت ذنبا فى الجاهلية الأولى (قبل الإسلام ) فأخاف ألا يغفره الله لى وإن أسلمت، فقال له أخبرنى عن ذنبك فقال يا رسول الله إنى كنت من الذين يقتلون بناتهم، فولدت لي بنتا فتشفعت إلى امرأتى أن أتركها فتركتها حتى كبرت وأدركت وصارت من أجمل النساء فخطبوها... فدخلتنى الحمية ولم يحتمل قلبى أن أزوجها أوأتركها فى البيت بغير زواج، فقلت لإمرأتى إنى أريد أن أذهب إلى قبيلة كذا وكذا لأزور أقربائي فابعثيها معي، فسرت بذلك وزينتها بالثياب والحلى وأخذت على المواثيق بألا أخونها، فذهبت إلى رأس بئر فنظرت فى البئر، ففهمت البنت أنى أريد أن ألقيها فى البئر، فأمسكت بي وأخذت تبكي وتقول: (يا أبتى إيش تريد أن تفعل بى؟) فرحمتها، ثم نظرت فى البئر فدخلت على الحمية ثانية، فأمسكت البنت بي وأخذت تقول لا تضيع أمانة أمى...وجعلت مرة أنظر فى البئر ومرة أنظر إليها فأرحمها حتى غلبني الشيطان فاجتذبتها وألقيتها فى البئر منكوسة وهى تنادى فى البئر يا أبتى قتلتنى... يا أبتى قتلتنى ومكثت هناك حتى انقطع صوتها ثم رجعت...فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقال لو أمرت أن أعاقب أحد بما فعل فى الجاهلية لعاقبتك...
وجاء قيس بن عاصم رضى الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إنى وأدت ثمانى بنات فى الجاهلية وفى رواية أخرى اثنتى عشرة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم (اعتق عن كل واحدة منهن رقبة) فقال رضى الله عنه إنى صاحب إبل فقال صلى الله عليه وسلم:(اهد إن شئت عن كل واحدة منهن بدنة) وقال قيس عن وأده البنات ما ولدت لى بنت إلا وأدتها وما رحمت منهن إلا واحدة ولدتها أمها وأنا فى سفر، واستغلت زوجتى غيابي وأعطت البنت لأخوالها كى تنجيها منى وأخفت الأمر، وعندما رجعت من سفري سألتها عن الحمل فقالت أنها ولدت مولودا ميتا، ومضت السنون وترعرعت هذه البنت عند أخوالها، وفى مرة جاءت هذه البنت لتزور أمها وعندما رأيتها وقد ضفرت لها شعرها وزينتها وألبستها الحلى...سألتها من هذه الصبية؟ لقد أعجبنى حسنها...فبكت زوجتى ثم قالت هذه ابنتك،كنت قد أخبرتك أننى ولدت ميتا ولم تكن الحقيقة ولكن الحقيقة أننى قد ولدت هذه البنت وجعلتها عند خالها وها هى قد كبرت وبلغت هذا المبلغ وأعجبك حسنها، يقول فسكت عن الحديث فى هذا الموضوع حتى نسيت أمها وانشغلت عنها، وعندئذ أخذت الصبية وخرجت بها وحفرت لها حفرة ووضعتها فيها وأخذت أهيل عليها التراب وهى تقول...يا أبتى أتغطينى بالتراب ؟!...يا أبتى أتغطينى بالتراب؟! وما زالت تقول حتى انقطع صوتها فما رحمت واحدة منهن ممن وأدت غيرها...فدمعت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال (من لايرحم لايرحم ) يقول تعالى (واذا الموءودة سئلت بأى ذنب قتلت)) ((ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم واياكم إن قتلهم كان خطئاً كبيراً)).
فهل نعود الى الجاهلية من جديد؟ لا بل لقد طورنا ما كان يحدث فى
الجاهلية فلم يقتصر القتل على البنات بل شمل البنين وامتد ليأخذ الزوجة
والأسرة بأكملها وتنتهى الجريمة بقتل النفس، فكلنا سمع عن ذلك
الرجل الذى قتل أولاده ونفسه لأنه خسر مبلغا كبيرا فى البورصة، قتلهم
لكى يحميهم من الفقر والذل والهوان، أمثال هؤلاء يعبدون الأسباب وينسون
مسبب الأسباب يقول صلى
الله عليه وسلم (تعس عبد الدينار) فالشخص الذى قتل أولاده ونفسه لأنه
خسر المال يعتقد أن المال هو كل شىء فى هذه الحياة وأن قيمته فى هذه
الحياة تزداد عندما يزداد المال وتنحط عندما يقل المال لذا عندما فقده
فى البورصة فقد كل شىء وفقد مبرر وجوده فى هذه الحياة هو وأولاده ومن
يتناسل منهم ونسى أنه عندما جاء إلى هذه الحياة جاءها عاريا
لا يملك شيئا وسيخرج منها كذلك،
وأن الأشقياء بكل معانى الشقاء هم المفلسون من كنوز الايمان ومن رصيد
اليقين فهم دائما فى تعاسة وذلة وهوان وشقاء، يقول تعالى ((ومن أعرض عن
ذكرى فإن له معيشة ضنكا))
وكذلك سمعنا عن ذلك الرجل الذى كان يعمل حارسا شخصيا لأحد رجال الأعمال
الذى استغنى عنه واستبدله بآخر وهنا لم تصبر عليه زوجته وتكون معه كما
يقولون على الحلوة والمرة بل
أخذت تعايره بعدم قدرته على الانفاق عليها ولم تفلح محاولاته فى
اقناعها فى أنه جاد فى البحث عن عمل
بل تركت له البيت وذهبت
إلى بيت أبيها ومعها طفلتهما الصغيرة ذات الثلاث سنوات، ولم يفقد الأمل
فى أن ترجع معه إلى بيته وذهب إلى بيت أبيها يرجوها أن تعود وحاول
أشقاؤها إقناعها بذلك ولكنها رفضت لنجد الزوج يستسهل غضب الله ويحمل
ابنته الصغيرة ويحتضنها ويقفز بها من الدور السادس من شقة والد زوجته
ليموت فى الحال هو وطفلته التى لا ذنب لها سوى أنها طفلتهما...أى
جاهلية هذه؟ وأى زوجة هذه؟ أظنها لن تنسيها الأيام صورة
زوجها حاملا وحيدتها
وهما يهويان.
ألا فليعلم هؤلاء أنه كلما تنعم الجسم تعقدت الروح وأن الزهد فى الدنيا راحة عاجلة يقدمها الله لمن شاء من عباده يقول أحد العارفين:
ماء وخبز وظـل
ذاك النعيم الأجل
كفرت نعمة ربى إن قلت إنى مقل
د/محمـــد الألفـى
يمكنك كتابة تعليقك بالأسفل

